عزيزي المستوطن بقلب ما .. المستغرق بفكر ما .. ومستعمر عقل ما..

   

  قررت أن أكتب لك خطاباً سعيد هذه المرة .. وسأحارب كي يظل سعيد لانك لم تقترف أية ذنب سوي ترك عنوان بريدك علي الانترنت .. لا تفعل ذلك مجددا .. سأحكي لك يوما عن أضرار ترك بياناتك الشخصية في الهواء الطلق .. لانك قد تستدرج كائنات عجيبة تكتب لك خطابات أعجب ..
  علي أية حال نبدأ بالخبر السعيد .. بلغني أنه  تم تعييني بمشروع يقتضي أن أسافر فيه لبلد أجنبية لأشهر عدة .. أنا سعيدة حقاُ لأني أعشق السفر .. وأؤمن أنه يتيح لنا فرصة أن نكتشف آفاق وأبعادا في مجاهل أنفسنا .. لم نكن نظن أنها موجودة .. سعيدة لأن فريق عملي الجديد يبدو أنهم أناسا لطيفة .. ورفقتهم خفيفة سهلة .. رحم الله كل هين لين .. وأحببته أنا ..
   سعيدة لأني سأكون بجانب الجامعة التي أحلم أن أدرس بها يوما .. الأكاديمية الملكية للموسيقي .. هل أخبرتك أني أعزف آلة الكمان ؟ أدرسها آملة أنه في يوم من الأيام أستطيع أن أصبح عازفة ماهرة في أوركسترا كبيرة أحلق بها ومعهم وسط النجوم .. ما علينا .. غريب أن أحلامي وما أفعله ليس فيهم من بعض شئ .. لا يشبهون بعضا ولا يتوافقون .. ولكن لا بأس .. فهكذا ولدت وهكذا طبع علي جبيني أن أكون مجموعة متناقضات علي قدم وساق.. أعتقد أنه اذا بحثنا .. سنجد كل الناس كذلك .. كفانا فلسفة ..
    أخشى علي قلب أمي وأبي وأختي من الانفطار .. فأبي حتما سيظن أني لن أعد .. وأني سأجد راحة في البعد عنهم .. والاستغناء .. أكثر ما يؤلم الانسان أن يشعر بأنه قابل للاستغناء وأن لا أحدا يحتاجه بعد أن كان يحتاجه الجميع .. لا أعلم هل مازلت أتحدث في هذه اللحظة عن أبي وأمي أو عن نفسي ..
  وأخشي علي قلبي أنا من الانفطار اذا اضررت أن أسافر دون رغبة أبي .. فقط لأن رغباته وصوره لحياتي لا تتماشي مع رغباتي وصوري عن حياتي الشخصية .. وأن أتركه ونحن لسنا علي وفاق .. ولكنه طيب أبي .. سرعان ما ستصفو سماؤنا ..
  عزائي الوحيد أني أعرف أني بأمس حاجة الي مساحة شخصية .. الي متنفس ... والي تغيير سماء وهواء ..بعيدا عن يومي الحافل وحياتي السريعة الكثيفة ..
وأني ربما صرت أقرب اليك قارة .. فأزورك وتزورني تارة .. من يعلم ..

 سلام كثير جميل وطيب ..


                                                                  ر. أ . ز

عزيزها الغريب القريب ..


  وجدت عنوان عبثي كانت أختي تكتب له .. وكنت علي دراية أنها تعرف أحدهم .. لاحظت ذلك في سلوكها مؤخرا .. فصارت أهدي .. كأن العواصف  التي تقوم يوميا في عقلها ما باءت أن هدأت وسكنت .. فأدركت أنها استطاعت أن تتنفس .. معك .. حتي وان كنت ولازلت غريبا .. غريبا جداً وقريب .. 

   كنت ألقب أختي سراً بنوع بزهرة تسمي " تمرحنة" .. هي زهرة اختلف الجميع علي شكلها وماهيتها .. واتفق الجميع علي جمالها ورائحتها ولونها ووقعها الطيب علي الجميع .. لم تعرف أختي أني كنت أشبهها دوما بزهرة التمر حنة .. ففي وطني ..علمونا أن البوح بالحب - لسبب ما - ضعف .. حتي أنها يوم أن تزوجت ولملمت عشرات أعوامها في صناديق .. وجدتني لا أكف عن أن أتغني بغنوة الزهرة .. ووجدت أمي تترك سريرها وتضع رأسها لتنام علي تلك الوسادة التي كانت تحتضن وجه أختي .. أمي التي كنت أرتدي ملابسها الكبيرة وأنا صغيرة الخمس سنوات وأحتضن صورتها حين تتركني لتذهب في مشوار صغير تأتي فيه بطلبات المنزل .. أفعل ذلك حتي تعود ..

   كانت أختي أشجع وأرق من عرفت .. فتارة تجدها أقوي الفتيات وتارات أخري تجدها أبرأ من عرفت من الأطفال .. الذين لم تستطع الحياه – رغم ثقلها - أن تعكر صفو برائتهم .. كنت أحب شجاعتها وأكرهها في آن واحد .. 
لأنها كانت حالمة وطموحة ولا تهدأ حتي أن تحقق ما تريد .. كنا نتماشي معها في كل رغباتها .. حتي جاءت بأقسي رغبة وحلم .. هذا الذي اختارته دون عن الآخرين .. وقررت أن ترحل .. تسافر كما تقول هي , لفترة قصيرة .. كما تزعم هي .. وأنا سنتلاقي .. كما تقول هي .. في أحلامنا وواقعنا وفي كل شيئ ..

 ولأني وكل الأسرة نعرف أنها ليست من البشر الذين تستطيع أن تكسر لهم حلما .. فسرعان ما تنبت لنفسها جناحا آخر .. وإن كان صغيرا .. تدربه جيدا كي تحلق به في أكبر وأعلي وأبعد سماء ..

    ولأني أعرف أن قلبها مثقل .. بكل تعلقاتها السخيفة التي ليست بسخيفة على الإطلاق .. وأنه قد حان وقت التحليق .. فتركناها .. أملاً أن تعود .. وستعود ..

  إلي حين ذلك .. سأضع رأسي مكان رأسها ووجنتي مكان وجنتيها .. وألبس ما تلبس من ملابس وأضع عطرها المفضل وأحتضن صورتها ..

               سلام علي روحك أينما تكن .. وعلي نطفة الروح التي تبعثها لك في خطاب..
                                                                                                         ش.أ.ز


عزيزي الغريب الكلي ..




لا أعرف ان كان خطابي الأول وصلك .. وظننت أني لا أبالي ولكن .. أتمني أن يصلك علي أية حال .. فيجدك بأحسن حال ..

   حدثوني يوماً أن هناك قطاراً للحياة وأنه ما يلبث أن يقف في محطة ما حتي يقوم ليذهب في طريقه للمحطة الأخري .. لا ينتظر أحدا ولا يهاود أحدا .. نصحوني بأن أصحو باكراً وأرتب باكراً وأن ألهث وأستميت كي لا يفوتني القطار .. وليس ذلك فحسب .. بل أنه يجب أن أحاول جاهدة أن أدرك الجلوس في الدرجة الأولي ..
   الحقيقة أنه حين أمعن النظر في حياتي  .. أري قطارات عدة ولا أري قطاري .. اجتهدت حقاً يا الغريب في البحث عنه ولكني لم أجده ..أو لم أعرفه ربما .. أو أنه ضل وقد أعجبه الأمر .. حتي خيل لي أنه ربما أكون أنا القطار .. أنا الوصلات والصلائب والخفائف ما وجدت .. أنا المقطورات وما تحمله من بشر .. منهم يحتل الدرجة الأولي .. ومنهم الثانية .. ومنهم من يدعني أقود وآخر يقودني ومنهم من يقف حائرا في المنتصف .. ومنهم من صعد آخر لحظة ليستقر في أحسن مكان .. وأن المحطات ما هي إلا نسخة من نفسي في عالم موازي أو قاطع ربما لعالم آخر أو بمعني أصح .. لقضبان قطارات أخري ..

  والعجيب في الأمر أن قطاري هذا لا يتماشي مع أهوائي  .. عجرفة منه ربما ..  فكم من مرة أردت أن أجري به .. أجري .. دون أن أقف لأنتظر أحداً .. أو لأن يصعد غرباء علي متنه .. أو لأن أختذل محطات وفقرات من حياتي.. وكم من مرات أخري .. وددت لو أن يتوقف .. في أكثر الأماكن استحالة أحيانا .. لأشتم زهرة هنالك في مكان قبيح أو أحيي زهرة أخري نبتت وسط الحطام .. أو أن أحتضن كلبا ضال .. أو أن اختطف قبلة من غريب آسر منتظر مثلي .. نعم قلت أقبل ... يجول في خاطري وعقلي أفكار منحرفة كثيرة .. أذكر أن قرأت يوما لشكسبير مقولة يقول فيها أن التنكر يعطينا حرية .. وأية حرية يا غريبي .. حرية منحرفة .. كفاني بث ذعرا إلي نفسك الطيبة ..

  أظن أحياناً أن الحياة عبثية أكثر مما ينبغي .. أكثر بكثير .. ولكن ليس اليلة ..


دمت أنت وقطارك علي وفاق ..                                                          ر.أ.ز


عزيز القاطن بمكان ما ..

عزيز القاطن بمكان ما ..

   ابعث إليك من وطن ما .. من بقعة ما .. لا مباركة وتأبي أن تكون.. من أعلي مقعد خشبي وطاولة ما .. تطل على نافذة صغيرة , ذو ستارة رقيقة يتخللها ضوء ما .. هارب من شمس وسماء ما ..

   لا أعرف كيف أبدأ .. ومن أين أبدأ .. ولماذا أبدأ من الأساس .. فهذه أول مرة أكتب الي غريب مثلك .. لا أعرف ما الذي جعلني اكتب لعنوان ظهر عبثاُ في محرك البحث.. في بلدة لا تفقه لغتي .. ولا ثقافتي ولا اسمي ..  ولكني لم استطع أن أتمالك نفسي لسبب غير معروف .. كسائر خطاباتي ورسائل الكون التي قد أحيا وأموت دون أن أفقهها .. آخر خطاباتي تلك التي كنت قد كتبت لأبي وأنا كبيرة  مراراً لأعتذر له عن أخطائي أو أن أعترف بشي لم أجرؤ علي مواجهته بها .. وكان أبي يحتفظ بخطاباتي ويضحك كلما رآهم .. لا أعرف لماذا يضحك في حين كنت أبكي وأنا أكتبها .. ولكن كانت سماؤنا تصفو من بعدها .. فلا بأس ..

  كان أبي يراسلني منذ أن كنت في السادسة .. حتي بلغت السادسة عشر .. كان يكتب لي شعرا وأحاجي وأخبارا ومفاجآت وارشادات .. كان مغترباً .. وكنت مدللته .. وكانت خطاباته دربا من دروب التعويض ربما .. اشتياق ربما .. وحب مؤكدا  ..

  عثرت وأنا أفرغ صندوق أشعث مليئ بالتهاني لزواجي الذي كان يفترض به أن يكون سعيد , ولكنه ضل طريقه تماما حتى وقع من فوق تلة , علي آخر ما كتب أبي لي .. ألقيت بجميع المعايدات والتهانئ في سلة المهملات وتركت أقصوصة صغيرة تحمل كلمات أبي .. هل أخبرتك كم هو رائع خط يد أبي ؟ قضيت دهراً في محاولات بائسة لمحاكاته .. ولم أعرف ..

  لم يكن خط أبي هو الشئ الذي حاولت محاكاته .. فرطت عقودا من عمري .. أحاكي ذلك وتلك ولم يجاريني حظي .. لعل هذه مشكلتنا الأزلية .. أننا دوما في رحلة بحث عن شئ يشبهنا ونشبهه .. مسمي نعنون أنفسنا تحته .. كيان ننتمي إليه ونندرج تحته بأمان.. أن تحاول أن تدخل نفسك عنوة في واحد من هذه القوالب  .. حتي وإن إضررت لأن تتخلي عن بعضك .. وأوقات كلك .. وتقصقصه كي يتلائم .. فتتألم .. فتكرر المحاولة .. فتفشل .. فتلملم ما تبقي .. وتعيد الكرة بحثاُ عن إناء آخر غيره .. وهكذا ..

  ربما كان علي أن أدرك باكراً أنه ليس كل شئ يجب أن يكون نسخة ومن ثم مسخة .. أنه ليس علينا نحاول أن نطابق مواصفات ما .. وأن نتماشي مع أية قوالب ولا أي أحد من الأساس .. وأن بعضنا .. بعضنا فقط .. طبع علي جبينه أن لا يكون مثل أي شئ .. أن يكون طائرا حر طليق يغني ويغير كل شئ يمسه .. جرم صغير انطوي فيه العالم الأكبر ..

   لن أطيل عليك كي لا تكل مني .. لا أنتظر منك رد علي أية حال .

والسلام روح وريحان وليس ختام ..
       ر.أ.ز

أثر الفراشة فيك ..

اذهبوا أنتم .. وسأمكث أنا في الفيلا لأنام قليلا  ..

  كم أحتاج الي هدوء بعيد .. ألملم فيه أفكاري .. بل أبعثرها وأطلقها تعدو مع رباطة جأشي التي أحافظ عليها أمام الجميع ..

  لا أحتاج أن أتظاهر بأي شئ وأنا وحدي .. لا بتفاؤل على سوء أحوال أطمئن بها أهلي .. ولا بقوة ايمان لا أمتلكها .. ولا بقوة تلهم من حولي بأننا يمكن أن نتغلب على أي شي ولا بابتسامة أرسمها على وجهي و لا حتى بدعابة ألقيها لأتقن بها صحة نفسية لا أعرف عنها الكثير ..

          .. أعشق المحادثات الروحية دون غيرها .. ولكن مؤخرا وكثيرا صرت أفضل أن أختلي بنفسي شيئاً .. بعيدا عن هذا السيرك القومي الذي أسميه حياتي .
.
   منظر البحر رائع .. لونه وصوته ورائحته ..كم أنت جميل يا الله ..  يخيل لي أني أسمع صوت محمود درويش يتلو واحدة من قصائده ..

فيقول " في أَعماقي موسيقى خفيَّة، أَخشى عليها من العزف المنفرد .. " وأقول " وأنا أيضاً .. "

 يقولون أنه كلما اشتعل الرأس شيباً .. كلما زدنا عقلا وحكمة .. ولكن على عكس ما أعتقد .. تزيد طفولتنا وتعلقنا واحتياجنا لشاهد على حماقاتنا وعثراتنا ودعاباتنا التي لا تضحك أحدا سوانا وأفكارنا المنحرفة وعاطفتنا وانتصاراتنا الصغيرة .. في مشاهد حياتي التي تخيلتها .. مشهد أو ربما اثنين .. لبيت كهذا .. بحر كهذا .. وقلب آخر إلي جواري .. وساعد آخر يلتف علي خصري .. وصدر أخر أميل عليه برأسي .. وموسيقى راجح داوود في الخلفية وكتاب ..

   لمحت في طرف عيني رجل جالس على الحصي أمام بيته  ..  هل تكلمت بصوت مرتفع ؟!   هل من المعقول أن يكون سمعني ؟ يا الهي .. انه يرفع رأسه لينظر الي ..أين تذهب رباطة الجأش حين نحتاج لها .. آه تذكرت لقد أطلقتها منذ قليل .. حسنا قولي شئ  .. مهلا كفاكي ما قلتِه .. ابتسمي .. ابتسامة صغيرة ..

    نظر إلي نظرة خاوية علي عروشها .. لم أكن أتوقع  ردة فعله تلك ..فأنا أملك قدرا لا بأس به من الجاذبية .. دوما ما تكون ردة فعل الرجال على ابتساماتي الصغيرات ابتسامة كبيرة تليها تصرفات بلهاء .. أو ابتسامة صغيرة كمن يرد التحية .. أو ابتسامة تتبعها مغازلة أو اطراء ما .. لكن هذه .. لم أستطع أن أفسرها .. هل كان على أن أرفع شعري لأعلى ؟ هل أنا ثقيلة الظل لهذا الحد ؟! هل هو كذلك ؟ أم كانت الحياة كذلك ؟

  لم أستطع أن أشيح بوجهي عنه .. لا أعرف لماذا .. ربما لأني مازلت أفضل هدوء المشهد ولو أني أعرف أنه هدوء خارجي فحسب.. وأن شيئ ما في عينيه يقول لي أنه نال قسطه من أية شيء عدا اللطف والرحمة والسلام .. فدعيه وشأنه وليدعك في شأنك ..  
  
يقول " لا أحد يرى أثر الفراشة فيك " وأقول أنا  " لا بأس .. ربما يوم آخر " ..
   

خانة السعر : لا يقدر بثمن !

   قررت أن أعرض جميع أثاثي للبيع .. لأسباب عدة ..

   منها ظناً مني أني ربما أمسح آثار ما مررت به ولا أجد ما يذكرني به أو بالفترة كلها فأكون قد تخطيت ولو جزءا منها ..
ومنها أنه ربما يسعد به أحد ما .. ويبني ذكريات جديدة عليه ..

  ومنه أنني من هؤلاء الذين يتعلقون بالأشياء .. حتى أني أحتفظ بقصاصات مناديل ورقية كُتب عليها اعترافات وحروف ووعود كانت في يوم ما ذات معنى .. فقررت أن أعزف عن هذا التعلق ..
ولأنني بتُ أعرف أنه في نهاية الأمر .. لا  شئ يهم على الاطلاق .. ان لم يكن سكنك في القلب  .. فلم ولن يحل محله زخرف الأثاث ..

   جاءتني مكالمات عدة من لحظة عرضي الأثاث للبيع على المواقع الالكترونية المخصصة .. لا أذكر منها سوي مكالمة واحدة كان وقعها كبير ثقيل علي ..

 " ألو سلام عليكم "
"عليكم السلام"
" أنا بتكلم عشان الصالون المعروض , ذوقك جميل جدا "
"أشكرك "
" أنا حابة أشتريه بس كنت عايزة أتكلم معاكي في السعر .. انا شايفة انه كتير "
"حضرتك الحاجة جديدة ولم تستخدم الا ثلاثة أشهر فقط.. وقيِّمة جدا وانا بالفعل عارضاها بثمن أقل من ما اشتريته بيه "
"أيوه بس الحاجة طالما استخدمت ينزل تمنها للنص على طول "
" أنا مع حضرتك ننزل تمنها بس مش نبخسه قدره .. الحاجة فعلا قيمة ومحتفظة برونقها .. أنا مش هقدر أنزلها للنص "
 " طب ولا حتى تبيعي كرسيين منه على ترابيزة ؟"
"أنا اسفة يا فندم كدة يبوظ أنا هبيعه على بعضه "
"مم طيب فكري تاني و لوغيرتي رأيك كلميني "
"أكيد .. شكرا .. مع السلامة " .

    كنت قد وعدت نفسي ألا أبكي يوما على قطعة أثاث .. ولا لأي شئ ليس له قيمة .. وأن أتماسك .. ولكني سرعان ما أخلف هذا الوعد وأخلفه كثيرا ..

    ضاق صدري وتسارعت دمعاتي وقاومت رغبتي العارمة في أن أعيد مهاتفة هذه السيدة وأن أقول لها ما اختنق بداخلي من كلام لم أستطع أن أصارحها به وما لم أكتبه في مواصفات هذا الأثاث في الإعلان وعن ثمنه الحقيقي ..

  إن هذا الأثاث لا يقدر بثمن .. وان كان في وسعي كنت كتبت ثمنه أضعافاً مضاعفة .. ليس لأنه بضعة أخشاب مزينة فحسب ولكن ..

   ذلك الكرسي هناك , أخذ من عمري أسابيع من البحث.. كي أحصل عليه .. وتلك الغرفة .. مررنا بضائقة مالية لكي نحصل عليها .. وتلك الطاولة وكراسيها .. شهدوا نزاعات وخلافات وإشراف كثيرين مع الحرفيين من أجل أن تصبح بهذ الجمال .. وذلك الصالون .. اشتريناه بعد شهور من البحث والمقارنات والمجهود والتخيلات .. فقد تخيلت عليه جميع ضيوفي وأحبتي الذين سيزورونني .. حتى أني قد تخيلت خطبة ابنتي عليه .. يا لعبثي وحماقتي ..

   وغرفة المعيشة تلك ؟ لو تعلمين كم قتلت قدمي بحثاَ عن القماش الملائم للون الحائط والنجفة الملائمة لها ..غرفة المعيشة هذه ليست عادية في الأساس.. فقد شهدت مباريات وألعاب فيديو وانتصارات عدة .. ما كنت أبخستيها ثمناً ..

 ذلك الأثاث ربما يكون الشئ الوحيد الذي نجا من الدمار الذي حل بقلوب قاطنيه ..
  ذلك الأثاث الحقير السخيف كان يحمل معه أحلامي التي لم ترى النور .. كان الشاهد الوحيد على خلافاتنا التي أودت بنا .. كان أشياء عدة ..


وكان لابد أن أكتب بجانبه في خانة السعر .." لا يقدر بثمن ".


أكتب عنك ..

أكتب عنك لأنه لم يعد بوسعي أن أكتب إليك ..

أكتب عنك لأني أود أن أخبرك ببضعة أشياء لن تصلك وليتها تضل جميع الطرق فلا تصلك ..
أكتب عنك وأنا أخجل من نفسي لتذكرك حتى الآن .. وأعلم أنه إذا ما قادك حظك العثر إلي خطابي هذا ستسعد بأني ما زلت أتذكرك ولكنك لا تعلم .. لا تعلم بأن ذكراك مرتبطة بالألم وخيبة الأمل ومئات الدمعات .. ومؤكد أنها ليست بذكرى افتقاد أو حنين ..

   أكتب عنك لأني أترقب أول مرة أراك بعد الافتراق .. أترقب هذه اللحظة كي أصفعك ألما بحق جميع الآلام التي لم أتحملها ولكني اضطررت أن أحملها رغما عني .. أود أن أصفعك لأنك كنت جبانا ولم تحارب من أجلنا .. أود أن أصفعك بحق كل وعد أخلفته وكل أمل أخزيته وكل كلمة لم تصدق بها وكل حب لم تكن تعنيه .. وكل قلب استهنت به واستعرضت قواك عليه ..

  أكتب عنك لأخبرك أني صمدت للنهاية ووقعت وأفقت واستعدت جزءا مني ومازلت أستعيد نفسي في حضرة كل يوم أتنفسه من دونك .. وأني ..

  صرت أحب نفسي نيابة عن كلانا .. وأني صرت أحب الحياة وأسعد بها أكثر من ذي قبل .. وأني صرت أستمتع بالأشياء البسيطة التي كنت أُسلِّم بها يوماً .. وأني صرت أرى الدنيا بمنظور مختلف .. كأني كنت معصوبة العينين بعصابة لم أساهم في حياكتها بنفسي فحسب بل عقدتها معك .. فصرت أحب رفقة نفسي وضحكاتي وعاداتي وهواياتي التي كنت أهملتها يوماً ولم أكن أعرف أني أجيدها هكذا..

  صرت أجد الفرحة في الأشياء البسيطة وأمتنُ لها .. صرت أبحث وأقرأ وأكتب وأعزف على آلتي وأتعلم وأغني وأرقص أحيانا بلا حمرة خجل  .. وصرت أتحمس لرؤية الألعاب النارية في السماء مجدداً ..

  أكتب عنك لأخبرك أنه بعد أن افترقنا بوهلة .. بعد أن سكن الألم .. بدأت أتنفس الصعداء .. صحوت يوما .. وبدأت أدرك ما يهم في نهاية الأمر وأن أفكاري كانت بالية ومعتقداتي كانت خاطئة .. وأنه لربما كان من الضروري أن تقوم ساعتي .. وتتزلزل الأرض من تحت قدماي حتي أفقد أحلاما حسبتها كل الحياة وتتحطم كل نظرتي للحياة وعنها وربما أفقد قطعة اهترأت اتخذتها قلباً.. حتى أُبعث من جديد..


  أكتب عنك لأشكرك .. لأنني يوم فقدتنا.. يوم وجدت نفسي ..

Along the way ..


     I learnt that .. happy endings are not measured by the grades .. the promotions or tying the knot in fact .. no such thing as a happy ending .. but rather more of happy journey .. happy states .. and it can be measured by the number of times your heart has leapt from its place bouncing with joy ..the times  you felt ecstatic about winning a match .. the beautiful company of funny and true companions ..  the kisses and hugs of little creatures and loved ones .. affection of pets ..  you being comfortable .. sound and sincere in your own skin .. and your own presence .. the words of appreciation from something  you did with your own hands.. and a heartfelt prayer of a complete stranger ..  and sometimes .. the occasional innocence of a flirtation .. and that it truly is about not the highest grades .. longest of time ..  most expensive possessions ..  but of the truest meanings .. the purest of good .. the warmest of hugs .. and the kindness of words .. facing your own fears .. breaking your own walls .. the strength of dusting off and getting back up .. beauty of the very simple little things ..  reading a beautiful book . . enjoying a beautiful song or a movie .. a delicious meal .. a pleasant conversation .. being able to appreciate people .. and all the blessings that you once took for granted .. maintaining a great spiritual relation with God .. acceptance .. and reaching a personal goal .. and a clear conscience at night .. that makes up a lively life..

  and that happiness may find its way to you at times .. and others .. you just have to find your way to it .. .. sometimes it will come by chance .. and sometimes because it's God's generosity .. but it also comes to those who work for it .. and it may not be the same thing you worked for .. but something you did not see coming .. so sit -not so - tight .. relax .. and do what makes you happy and don't forget to breathe .. 

لأنّا معاً..


          بعد أن تأكد ظنها وتحسست ما بها من ألم ..  تسارعت ضربات قلبها واعتراها شعور مخيف ..شعرت وكأن شيئا ما يطبق على أنفاسها .. وأنها قد تموت في أية لحظة .. مهلا هل أنت خائفة من الموت فعلاً ؟ أم تخافي أن تموتين من دونه ولايمسك بيدك هذه التارة .. حسنا فلتهدأي .. تنفسي بهدوء .. تنفسي مجددا وأطيلي الشهيق والزفير .. ماذا يمكن أن نفعل .. هل نقول له ؟ هل لا نقول له .. وماذا ان قلت له ؟ أشفق عليه من الحزن والألم والرهبة التي سيحاول جاهدا إخفائها ليظهر لي شجاعته .. ماذا أفعل ؟ لا أستطيع التفكير .. فلنحاول أن نتنفس مجددا ونحافظ على رباطة جأشنا ..
   دخل عليها في تلك اللحظة .. وقد رأى نظرات الخوف والارتباك التي كانت تحاول اخفائها عنه ولكنها لم تنجح .. فهو يوم أن عرفها وهو يحفظ جميع نظراتها عن ظهر قلب فسألها هو ما بك ؟ أجابت .. لست على ما يرام .. وشرعت في شرح ما مرت به ولاحظته على جسدها .. فاختفى من الغرفة بضع دقائق .. هيئ لها لوهلة أنه يلتقط أنفاسه في غرفة أخرى ولكنه قطع تفكيرها قائلا لقد تحدثت مع صديقى الدكتور .. وسنذهب إليه غدا أول شيء في الصباح .. لا تقلقي ستكوني علي ما يرام وسنكتشف أن الأمر هين ..
      لم يغفل لأحد منهم جفن في تلك الليلة .. وانتظرا الصباح وأيقظاه .. وذهبا الي الطبيب قبل الميعاد بقليل ثم دخلا عليه ورحب بهما وبدأ بالكشف عليها ثم طلب بضعة تحاليل يمكن أن يقوموا بها في نفس اليوم ويعطوا النتائج للممرضة ثم طلب منهم أن يعاودوا زيارته بعدها بيومين .. فعادا.

  ودخلت عليهم الممرضة وفي يدها نتيجة التحاليل وأعطتها للطبيب .. فوجدت يده تلتف بيدها وتحتضنها بقوة .. فنظرت إليه نظرة ثابتة وابتسمت ابتسامة هادئة.. ففي لحظات كهذه .. يتوقف العالم عن الدوران .. ويتوقف الوجود ذاته عن الوجود .. وتغرق تفاصيل المكان والزمان والأشخاص ولاشئ يهم على الاطلاق .. لا شئ يهم لأنّا معاً.. 

طيف بات على بابي ..


مع الوقت تعودت على ألمي .. وتقألمت عليه .. وتكيفت معه وصار طيفا يسكن روحي .. وشبحاً يخيم على ضحكاتي ..وصرت رفيقة له يهوى زيارتها من آن لآخر .. فصرت نبضاً أُذكره بكم كنت قوية وكم كنت صادقة وكم كنت حية أرزق في خضم الألم حتى آنسني.. وهو يذكرني بألم جعلني قوية وأفاقني من غفلة ومن أحلام يقظة لم تكتب لها حياة وربما لن تكتب لها حياة .. ولكن لا بأس .. لا بأس على الاطلاق..
      اعتدنا بعضنا البعض .. أحيانا أتمكن منه .. وأحيانا أخرى يتمكن هو مني .. لم أكن أعرف أبدا أن الألم يمكن أن يكون جليل هكذا فقد كنت أخشاه أحيانا وأمقته أحياناً أكثر وأرفضه وأنكر وجوده بل اني كنت أغضب عليه .. ولكن مع الوقت ..
       أدركت أنه برغم الفراغ والتدمير الذي يتركه في النفس ..إلا أنه يشق مجرى للحياة وسط الدمار .. ويفتح بابا لدرب من دروب النصر من بعد الهزيمة..  فإن ألمي مصدر قوة وُجدت من نقاط ضعف .. مصدر فهم لأسباب وأشياء ما كنت أبحث عنها .. ولكني أمتن لمعرفتها... ومصدر انتقاص من روح جعلها مكتملة .. ومصدر جرح عميق لخدش يبدو سطحي زيّن القلب ..  ومصدر إيمان لشك كان توأمه ولكنه لم يدركه إلا بعد حين .. ومصدر طمأنينة بأننا قد نظل نتألم وقد يتفنن الألم في آلامه القادمة.. ولكن الألم الأسوا قد مضى ..  وأنه ولا بد أن يكون هناك سعادة من بعد شقاء .. وطيبا من بعد جرح .. وشفاء من بعد مرض .. وأننا سنتحمل ما هو آت .. لأننا تحملنا ما مضى ..


Tomorrow , do thy worst .. for Today .. I have lived .

رسائل إلي عزرائيل ..

  عزيزي عزرائيل ..

       لعلي أول روح تحدثك قبل أن تقبضها .. فكم من روح توسلت إليك ألا تقبضها أو تتركها قليلاً أو أن تهون عليها الموت .. وكم من روح رحبت بك لتنهي معانتها .. أو لتختتم حياة ثرية جميلة وراضية ..
     ولكني لن أتوسل إليك من أجل روحي .. فأنا لا أخشى الموت .. بل أحياناً أتمناه من كثرة شوقي لرؤية ربي .. وأحياناً أخرى أتمناه من كثرة ما رأيت من ظلم في البلاد .. ومن كثرة ما عاث قومي في الأرض مفسدين ..
    اطمح أن تغفر لي مزاحي عنك .. كلما أخذت حبيباً .. وكلامي عنك كلما حاولت أن أخفف من وطأة وجع تركته أو قلب فطره الفراق .. فأنا أعرف أن وظيفتك .. رُغماً عن أنف الجميع .. هي أصعب وظيفة في الوجود وربما تكون أرحم وأجمل في آن واحد .. وأُحييك على شجاعتك وجلدك وقوتك في تنفيذ إرادة الله .. فأنت ملاك .. ان جاز لي التعبير .. هُمام .. 
  هل لي أن أطلب منك طلبان ؟ .. أولهما ان كنت قد جئت قابضاَ لروح أحد والدي أو اخوتي أو صغير من صغاري ان رزقني الله .. فاختار واقبض روحي أنا ان استطعت أو ارجع إلى الله وقل له أن عبدة من عبادك ترجو وتتوسل أن تغير الأقدار فتأخذ روحها بدلا عنهم .... فليس لي حياة من بعدهم .. وقد رأيت ما رأيت مما يفعل الموت بأهل البيت .. وأخشى ألا أستطيع صبرا .. وأخشى أن أفقد الرغبة في الحياة من بعدهم فأحيا كشبح يعد ويترقب ميعاده بفارغ الصبر .. ولا أكف عن التفكير فيمن عليه الدور .. لا أكف وقد أرهقني التفكير .. فأصبحت أخشي على أنفاس أمي وأبي واخوتي فأفزع من شهقاتهم ومن سعالهم وحتى من طول سباتهم ..
  طلبي الثاني .. ان جاز لي طلب من الأساس.. فان أتيتني .. ووجدتني على معصية .. فارجع ساعة أخرى .. أكون أتعبد وأخلص العمل لربي فأموت وأبعث عليه ..
 وآخر ما أستطيع أن أقوله لك .. اني كلما تذكرتك أو هُيئ لي أنه ميعادي .. فأجدني أبتسم بهدوء .. وأدعو أن يكون لقائنا لقاء رحمة وسكرات موتي من لينها لا تحتسب سكرات .. وخروج روحي الي الله على يدك .. خروج عروس تُزف إلي السماء .. بصحبة ملاك الرحمة الذي طالما أحسبه فيك ..  

       أنتظرك بكلمات العمة آمنه .. التي قالتها للأبنودي رحمه الله عليه ..

إذا جاك الموت يا وليدي
موت على طول..
أول مايجيك الموت .. افتح..
أو ماينادي عليك .. إجلح..
إنت الكسبان..
إوعى تحسبها حساب..!!


العزف المنفرد على أوجاعي ..

    لم أعرف حقاً ان كنت أحببت بصدق .. وما إذا كان الحب الصادق يعني أن يتحول قلب حبيبك الذي دخلته بقدميك إلى منفىً يغلغل روحك .. لا أعرف إن كان على أن أُفنَى في جوانبه وأنفى كياني في طياته فلا أكاد أتعرف على نفسي .. لم أكن أعرف أني لأثبت حبي علي أن أتحول إلى شخص أنا لا أحبه .. فلماذا أحبه .. طالما يحبه هو .. وفي النهاية وجدنا اثنتينا لا نحبه .. 

     لم أعرف أنه كان علي أنسى حياتي وأحلامي وطموحاتي من أجل ذلك المظهر الاجتماعي الجميل .. لم أكن أعرف أن على أن ألتزم الصمت في حوار يدار أمامي ولا أدلي برأيي .. لأن رأيي كان مختلفاً ومعارضاً وشجاعاً .. ولأن مظهري يبدو أجمل إن ابتسمت وصمتت.. ولكني بالفعل جميلة .. وكيف ألتزم الصمت وأنا بعمري ما عرفته إلا أوقات الحزن العميقة .. كيف أصمت وقد كنت أغني طوال حياتي .. وأعزف وأرقص مرحاً .. ذلك المرح والعزف اللذان جذباك إلى في أول الأمر .. كيف تعودت الصمت .. حتى صرت أءلف جميع أركانه مضللة نفسي بأنه أمرعادي وأن الجميع هكذا وأن لابد وأن يكون الجميع تعساء ولكنهم أتقنوا التمثيل ..وكيف تحولت أنا من بطلة جميع القصص والحكايات .. إلى متفرج .. إلى مستمع ومشاهد صف أول .. إلى مسرحية ثقيلة الظل .. حزينة وجميع أبطالها مبتدئون .. والأسوأ .. أن لا مغزى منها ..  

   لا أعرف ان كنت أحببتك بالصدق الذي توقعته مني .. ولا أعرف ان كنت أنت أحببتني حقاً أم لم تفعل ولكني أعرف أني تألمت بدرجة صدق لم أكن أتوقعها  .. وأني ربما صرت أخاف من الصدق تماماً كخوفي من الكذب وأن ربما قلبي يعرف طريقاً للحب يوماً أو لا يعرف ..وأن ربما أجد درباً آخر لصدق يتماشى مع روحي فنصبح نحن الاثنين .. الحقيقة الصادقة الوحيدة في هذا العالم البائس ..

    ربما كان هذا الدرب صداقة .. أو طفل صغير .. أو علاقة روحانية .. أو آلة كمان ..صادقة جداً في العزف المنفرد على أوجاعي .. أوجاع لم أكن أعرف لها أوتاراً .. أوتاراً أتمني لو تقطعت ولكن اللحن من دونها لا يكون جميل ولا يكتمل ..

  

فيا بحر ..

    فيا بحر .. كفى .. كُف عن رميي بمياهك المتطايرة .. كف عن المزاح .. فما جئتك مازحة .. كف عن مغازلتي وركل  أقدامي كي أتحدث .. لن أتحدث .. كف عن إغرائي بالنزول إليك لنلعب سويا .. فكلانا يعلم أني وان كنت طوال حياتي أقاومك وأنتصر ..فإنك حتما ستغلبني هذه المرة .. فإني لن أقاوم ودعني أرفع لك رايتي البيضاء كي تصدق ..

     أعلم أنك افتقدتني .. وأنك اشتقت إلي.. وأنا أيضاً افتقدتك وأشتاق إليك عشرات الأضعاف  ..
 فيا بحر .. أنا لست أنا .. ولكنك أنت .. أعمق قليلاً .. وأكثر زُرقة قليلاً .. وصرت أقرب إلى الشاطئ قليلاً.. ولكنك أنت .. لم تتغير .. مازلت كبيراً وبعيداً وجميلاً وصوتك ورائحتك كما هم  ..
   أما أنا فكبرت كثيراً .. وملامحي اختلفت كثيرا .. خصال شعري صارت بيضاء كثيراً ... أنا لازلت أتعجب أنك عرفتني من أول وهلة .. فأنا لم أعد أعرفني كثيرا ً ..
أتذكر يا بحر .. عندما كنت في الخامسة من عمري .. وكنت أقضي كل وقتي معك .. أبني قصوراً وأنفاق من رمل ذهبي وأستنفذ كل طاقتي في حفر خنادق عميقة ظناً مني أني قد أجد مياهك تحت طبقات الرمل .. وربما أجد بيوت الأسماك ومخلوقات أخرى تحته ..
  كانت أعمق مخاوفي آنذاك أن يظهر لي وأنا أحفر سمكة غاضبة .. تقضم أصابعي حتى أتوقف عن ازعاجها هي وصغارها ونقر بيتها المختبئ تحت الرمال .. أو أن أسبح فيك وأتعمق وأنظر فأجدني انجرفت بعيداً ولم أعد أعرف مكان مظلتنا ..  
     كبرت قليلاً وصرت أنزل مياهك وألعب أنا واخوتي وأقاربنا .. تذكر حين كنا ننتظر أكبر موجة ثم نغطس فيها ونطفو بعدها .. تذكر حين كنا نعطيها ظهورنا ونقفز جميعا في محاولة لكسر موجك .. وكنا نغلبك أحياناً كثيرا وكنت أنت تكسر ظهورنا أحياناً أكثر .. كنت لا أخشى الغرق .. وما زلت لا أخشاه .. سأحدثك عن ما أخشاه فيما بعد ولكن ..
       هل تذكر مزاجك السيئ في بعض الأحيان ؟ تذكر أول دوامة اجتذبتني إليها ؟ تذكر قناديلك التي كنت ترمي بها على شاطئنا وأول لدغة تسببت لي بها ؟ ألومك أنت وليس القنديل .. تذكر ألعابي التي ابتلعتها ؟ ونعالي التي دفنتها في الرمال .. أنا أذكر ..
     كبرت كثيراً وسريعاً .. وصارت مخاوفي أكبر وأكثر وأعمق .. فتحولت القناديل أناساً يلدغون بلا رحمة ..  وصارت دوامة الحياة تبتلعنا وتجذبنا للقاع  ونحن لها مستسلمين ..  وصرت أخشى الألم الذي لا يستطيع مداواته بشر ..صرت أخشى من الحب وعلى من أحب .. صرت أخشى الفراق .. وما بعد الفراق .. صرت أخشى فساد القلوب والأفكار .. وزيفها .. صرت أخشى اللا حياة التى أتنفسها ..صرت أخشى أن أقابل الله خالية الصحيفة .. صرت أخشى وأخشى وأخشى ..
   فيا بحرُ ويا بحرُ ويا بحرُ .. أرأيت ما بداخلي ؟ أدركت أن الموضوع لا يحتمل المزاح ؟ .. وأني قد أتيتك لتعيد لي شعوري بأني صغيرة مجدداً وأنك تكبرني بكثير ..
  

عن الحب والكرامة ..

سمعت ناس كتيرة قوي بتتكلم عن أن الحب والكرامة وأنهم حاجتين مبيتعارضوش ..

مبدأيا في حاجة لازم نبقى عارفينها كويس .. في فرق بين الكرامة والكبرياء بتوعك انت  .. اللي هو دايما بيقلب بالكبر والعند بمفهومنا احنا كمجتمع مصري أصيل .. وفرق بين كرامة الحب ..

      الكرامة دايماً وعزة النفس .. عننا احنا ..

   عندما نقع في الحب ..ده اللي وقعوا بجد .. بنتجرد فعلياً من احساسنا بذاتنا وقيمتها .. ويصبح قلبنا ملك للآخر على طبق من فضة .. قلوبنا بتلين وبتتجرد من دفاعها وأسوارها .. وجنودنا اللي احنا حاطينها تدافع عنه بتنزل سلاحها في حضرة قلب آخر ..وفي الجواز بنتجرد حتى من ملابسنا أمام بعضنا البعض .. فازاي بيجيلك قلب تقول بعدها .. كرامتي ؟ عن أي كرامة تتحدث ..
    أنا لا أتصور أبدا ان الواحد عشان يحب يتحول لانسان عديم الكرامة ويعيش في ذل وإهانة ليل نهار .. " معنديش كرامة ؟ " كلمة وقعها تقيل قوي .. وعلاقة مش سوية بالمرة .. لكن واقعياً اللي بيحب بجد وعايز يحافظ على علاقته .. لازم يتعلم الرحمة.. اللي أهم مكوناتها إنكار الذات* واللين والرفق والتعاطف والانسانية ورفع الراية البيضاء لبعضنا البعض..

     لأن واقعياً كلنا بنحب نفسنا وكرامتنا غالية علينا قوي .. بس لو كل طرف دخل في العلاقة بيها وحطها أولوية .. محدش هيصالح .. محدش هيرفع التليفون ويبتدي الصلح محاولاً إنهاء الخلاف أيا كان مين اللي غلطان .. لأن كلنا وقت الخلاف بنكون غلطانين .. جميع الأطراف .. سواء بتصرف أو بكلمة أو رد فعل أو نظرة أو حتى نبرة صوت .. وكلنا لينا حق  ..بس الواقع انه محدش هيتعتع من مكانه عشان يراضي الطرف الآخر ويرفق بيه وينهي أي خلاف .. وهنا بالذات الكِبر بيدخل ويبرطع ويتحول خلاف أهبل عبيط إلى حرب قبلية و" كرامتي عندي بالدنيا " و"كرامتي ناقحة عليا " و " أنا أموت دفاعاً عن كرامتي" والحاجات الدرامية اللي بنقعد نرددها فحين ان الموضوع كله ممكن ينتهي بمكالمة تليفون واحدة , كل واحد مستنيها من التاني عشان يقوله حقك عليا .. أو حركة واحدة يطلع اللي قصادك مستعد ومستنيك عشان يتحرك قصادها عشر خطوات ..

     لو كان الحب عننا وعن نفسنا وكرامتنا وآمالنا وأحلامنا احنا بس .. يبقى أنت فعلاً محبتش بصدق .. لأن الحب والعلاقات دايما عننا احنا الاتنين .. والكرامة في الحب بتتحول لحاجة مشتركة .. يتنافس الطرفين فيها للدفاع عن كرامة الآخر واحترامها وإعلاء قيمتها ومكانتها والحفاظ عليها ..

    أما الكبرياء .. فلا يجتمع هو والرحمة في قلب واحد .. وأنك لو تعلمت الرحمة .. هتعفي حبيبك من أنه يقف في يوم قصادك يدافع عن كرامته .. وأنك يوم أحببت .. تحولت أنت بكرامتك وقلبك وعقلك , مقترن بكيان آخر ..كيان أكبر اسمه الحب .. حب أركانه الرحمة والصدق والعطاء.. كيان يستحق الدفاع عنه حتى آخر رمق.

  فلو لقيت فعلاً الإنسان أو الإنسانة اللي يستحقوا أنك تجرد قلبك عشانهم .. أعطي أولولية للرحمة واللين والتسامح عن الكرامة والكبرياء .. لأن الحياة وحدها صعبة .. ولأنكم لن تسعدوا حقاً إلا إذا استطعتم فعل ذلك  .  

   وإذا وجدت نفسك في معظم الأوقات بتبّدي كرامتك انت عن أي حاجة في العلاقة أو كانت كرامتك تقف عائقاً في معظم قرارتك ..  يبقى عيد حساباتك .. فربما كانت الوحدة أفضل لك .. وإذا لقيت نفسك بتدور على راحتك انت وسعادتك انت بس .. يبقى من فضلك خليك مع نفسك..

 *الذات : نفس الذات بتاعت كرامتي وحاجتي وكل ما يتعلق بي أنا وحدي فقط.